الأستـاذ: مـزي عبد القادر/ جامعة تلمسان
البريد الإلكتروني: mzi_aek@maktoob.com
********************************************
موضــوع للنشر :
دول العالم الثالث؛ هاجس الاستقرار الداخلي و مستقبل الحريات الفردية
ــــــــــــــــــ
إن الموضوع الذي نحن بصدد معالجته لا يتناول صدق النوايا أو خبثها، سواء عند المواطنين أو لدى أجهزة السلطة، بقدر ما هو محاولة لفهم ما يحدث على مستوى الشأن الداخلي لدول العالم الثالث. أو بعبارة أخرى إن ضرورة فهم ما يحدث الآن هو وحده الكفيل بأن يجنب هذه الدول مغبة التورط في الصراعات الداخلية التي لا تنتهي إلى غالب و مغلوب، و إنما إلى فتنة قد تأتي على كل شيء، حينها يكون التدخل الأجنبي و جدولة القضايا الداخلية للدولة حتما مقضيا، و هو ما ليس في صالح المواطن مهما كان مستوى حسه الوطني و لا في صالح السلطة التي لا تمنعها حينئذ تحفظاتها من خطر ما اعتبرته في يوم ما ذريعة لتقييد الحريات و لا هو من مصلحة الوطن المأوى الدنيوي للجميع.
ليست هذه المقالة خطابا سياسيا، بل هي تتناول بكل موضوعية ما آلت إليه الأحوال و التحولات السياسية التي تشهدها جل دول العالم الثالث و التي عصفت بسيادة بعض الدول و هي لا تزال إلى اليوم تشكل خطرا حقيقيا على مصير بعضها، و ذلك بزعزعة استقرارها الداخلي ليسهل التدخل بشتى أنواع الطرق في سياساتها الداخلية لمصالح قوى أجنبية.
إن عدم قدرة الأنظمة القائمة على دول العالم الثالث ـ من خلال تجربتها التي لم تَنْمُ نموا طبيعيا ـ على إيجاد آليات تضمن التداول على السلطة و ممارسة الحريات السياسية في وضح النهار يؤدي إلى تشكل الجماعات المناوئة للحكم القائم.
إذا كان الاستقرار الداخلي هاجسا لدى جماعات الحكم التي تعتقد أنها تدافع عن المصالح العليا للدولة في مرحلة تاريخية ما، فإن هذا الهاجس قد يكون في أغلب الأحايين ذريعة لمضايقات النشطين السياسيين من طرف أجهزة السلطة، مما من شأنه أن ينمي مشاعر الكراهية و العداء المتبادل الذي قد يقود الأطراف و الفرقاء السياسيين إلى القطيعة، و هو وضع من شأنه أن يغذي مشاعر المخاوف لدى المجتمع الدولي تحت طائلة الترويج لحقوق الإنسان.
هل يمكن لدول العالم الثالث الحفاظ على استقرارها في ظل تنامي الصراعات الداخلية و عدم القدرة على توجيه و ترشيد الاختلاف في الرأي لتحقيق التقدم ؟
ما أصل الصراعات(التخوف المتبادل) و حالة فقدان الثقة الناشئة في دول العالم الثالث بين السلطة و الرعايا ؟
لا شك في أن التجربة الديمقراطية في العالم الثالث تختلف جذريا عن نظيرتها في العالم الغربي (أوربا الغربية و أمريكا خاصة…). فمن خلال استقراء تاريخي بسيط ندرك أن المجتمعات الأوربية قد حققت مفهوم الدولة الحديثة من خلال إرث تاريخي من النضال على مستوى الجبهات المختلفة (اجتماعيا، اقتصاديا، سياسيا، عسكريا ـ استراتيجيا، و ثقافيا علميا..) تتوج بما يعرف اليوم في الفلسفة السياسية بـ’نظريات العقد الاجتماعي’.
إن تلك النظريات أفرزتها تناقضات اجتماعية تاريخية متعددة الأبعاد، فكان الفضل لفلاسفة أفذاذ من أمثال الإنجلزِيَّيْن ‘توماس هوبز’ (1588 ـ 1679) و ‘جون لوك’ (1632 ـ 1704) ثم بعد ذلك الفرنسوـ سويسري ‘جان جاك روسو’ (1712 ـ 1778)، كان لهم الفضل في محاولة منهم لفك لغز الصراع في مجتمعات باتت تهددها مخاوف وقوع ‘حرب الكل ضد الكل’، و ذلك نتيجة سيطرة أخلاق الجشع و الطمع أو بتعبير أدق الصراع على الثروة و السلطة في غياب الوازع الأخلاقي الذي أصبح بدوره وليد الحاجة و المنفعة المادية.
لذلك تعتبر نظرية العقد الاجتماعي بمثابة خلاصة للتجربة السياسية التي عاشتها القارة الأوربية الحديثة، أو بتعبير أصح "أوربا ما بعد القرون الوسطى"؛ فالبحث عن مبادئ للسلام في الطبيعة البشرية من جهة و محاولة تبريرها وفق مبدأ الحتمية التاريخية من جهة أخرى هو ما أفضى إليه العقل السياسي الأوربي، الذي يرتكز بدوره على تجربة "مفهوم الصراع" أو توهم "حرب الكل ضد الكل" التي روج لها فلاسفة العقد الاجتماعي (هوبز ـ لوك ـ روسو) خصوصا، بل و حتى "داروين" في صراع الأنواع و كذا "ماركس" في صراع الطبقات و "سغموند فرويد" في تحليله للصراع بين طرفي الجهاز النفسي المُتَناقِضَين في المطالب (الهو/الأنا الأعلى)، بل يمكن الرجوع بمفهوم الصراع إلى المبدأ الأرسطي المنطقي الشهير "عدم التناقض"، مما يعنى أن بنية العقل الغربي هي بنية الصراعات التناقض و القطائع و التحولات القيصرية (العمليات
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ